محمد بن جرير الطبري

77

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

على الشاهدين في هذا الموضع ، إنما هو من أجل دعوى ورثته على المسند إليهما الوصية خيانة فيما دفع الميت من ماله إليهما ، أو غير ذلك مما لا يبرأ فيها المدعي ذلك قبله إلا بيمين ، وإن نقل اليمين إلى ورثة الميت ، بما أوجبه الله تعالى بعد أن عثر على الشاهدين أنهما استحقا إثما في أيمانهما ، ثم ظهر على كذبهما فيها ، إن القوم ادعوا فيما صح أنه كان للميت دعوى من انتقال ملك عنه إليهما ببعض ما تزول به الأملاك ، مما يكون اليمين فيها على ورثة الميت دون المدعى ، وتكون البينة فيها على المدعي ؛ وفساد ما خالف في هذه الآية ما قلنا من التأويل الشهادة على الوصية . وفيها أيضا البيان الواضح على أن معنى الشهادة التي ذكرها الله تعالى في أول هذه القصة إنما هي اليمين ، كما قال الله تعالى في مواضع أخر : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، فالشهادة في هذا الموضع معناها القسم من قول القائل : أشهد بالله إنه لمن الصادقين ، وكذلك معنى قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إنما هو قسم بينكم ، إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ أن يقسم اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ إن كانا ائتمنا على ما قال ، فارتيب بهما ، أو ائتمن آخران من غير المؤمنين فاتهما . وذلك أن الله تعالى لما ذكر نقل اليمين من اللذين ظهر على خيانتهما إلى الآخرين ، قال : فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما ومعلوم أن أولياء الميت المدعين قبل اللذين ظهر على خيانتهما ، غير جائز أن يكونا شهداء بمعنى الشهادة التي يؤخذ بها في الحكم حق مدعى عليه لمدع ، لأنه لا يعلم لله تعالى حكم قضى فيه لأحد بدعواه ، ويمينه على مدعى عليه بغير بينة ولا إقرار من المدعى عليه ولا برهان . فإذا كان معلوما أن قوله : لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما إنما معناه : قسمنا أحق من قسمهما ، وكان قسم اللذين عثر على أنهما أثما هو الشهادة التي ذكر الله تعالى في قوله : أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما صح أن معنى قوله : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ بمعنى الشهادة في قوله : لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وأنها بمعنى القسم . واختلفت القراء في قراءة قوله : مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فقرأ ذلك قراء الحجاز والعراق والشام : " من الذين استحق عليهم الأوليان " بضم التاء . وروي عن علي وأبي بن كعب والحسن البصري أنهم قرءوا ذلك : مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ بفتح التاء . واختلفت أيضا في قراءة قوله : الْأَوْلَيانِ فقرأته عامة قراء أهل المدينة والشام والبصرة : الْأَوْلَيانِ ، وقرأ ذلك عامة قراء أهل الكوفة : " الأولين " . وذكر عن الحسن البصري أنه كان يقرأ ذلك : " من الذين استحق عليهم الأولان " . وأولى القراءتين بالصواب في قوله : " من الذين استحق عليهم " قراءة من قرأ بضم التاء ، لإجماع الحجة من القراء عليه ، مع مساعدة عامة أهل التأويل على صحة تأويله ، وذلك إجماع عامتهم على أن تأويله : فآخران من أهل الميت الذين استحق المؤتمنان على مال الميت الإثم فيهم ، يقومان مقام المستحق الإثم فيهما بخيانتهما ما خانا من مال الميت . وقد ذكرنا قائل ذلك أو أكثر قائليه فيما مضى قبل ، ونحن ذاكروا باقيهم إن شاء الله تعالى ذلك . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قول الله تعالى : شَهادَةُ بَيْنِكُمْ أن يموت المؤمن فيحضر موته مسلمان أو كافران لا يحضره غير اثنين منهم الشهادة على الوصية ، فإن رضي ورثته ما عاجل عليه من تركته فذاك ، وحلف الشاهدان إن اتهما إنهما لصادقان ، فإن عثر وجد لطخ حلف الاثنان الأوليان من الورثة ، فاستحقا ، وأبطلا أيمان الشاهدين . وأحسب أن الذين قرءوا ذلك بفتح التاء ، أرادوا أن يوجهوا تأويله إلى : فآخران يقومان مقامهما مقام المؤتمنين اللذين عثر على خيانتهما في القسم والاستحقاق به عليهما دعواهما قبلهما من الذين استحق على المؤتمنين على المال على خيانتهما القيام مقامهما في القسم والاستحقاق في الأوليان بالميت . وكذلك كانت قراءة من رويت هذه القراءة عنه ، فقرأ ذلك : مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ بفتح التاء على معنى : الأوليان بالميت